المهندسة راندة المنشاوي تبحث مع مجلس إدارة الغرفة تعزيز التعاون المشترك لحماية استثمارات القطاع ودعم الاقتصاد الوطني
في أوقاتٍ تقاس فيها قوة الدول بقدرتها على إدارة الأزمات، لا مجرد تجنبها، يبرز القطاع العقاري المصري كأحد أعمدة الصمود الاقتصادي، وركيزة رئيسية في معادلة التنمية الوطنية. فالتطوير العقاري في مصر لم يعد مجرد نشاط استثماري تقليدي،
بل أصبح منظومة متكاملة تمس حياة ملايين المصريين، وتؤثر في أكثر من مائة صناعة، وتشارك بما يقارب خمس الناتج المحلي الإجمالي. إنه قطاع يعتمد عليه نحو 25 مليون مواطن، بما يعادل 25% من الشعب المصري، ويمثل 20% من الناتج المحلي، ويدعم بشكل مباشر أكثر من 100 صناعة وطنية مختلفة ويشكل شريانًا اقتصاديًا نابضًا يمد الاقتصاد الوطني بطاقة مستمرة من العمل والإنتاج.
وفي هذا السياق، جاء الاجتماع الموسع الذي عقدته المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية مع مجلس إدارة غرفة صناعة التطوير العقاري برئاسة المهندس طارق شكري، رئيس لجنة الشئون الاقتصادية بمجلس النواب، ليعكس صورة واضحة لشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص؛ شراكة لا تُبنى على المصالح الضيقة، بل على رؤية استراتيجية تستهدف حماية استثمارات الوطن وتعزيز استدامة النمو.
حوار في توقيت بالغ الحساسية
اللقاء الذي شهد حضور الدكتور وليد عباس، نائب وزيرة الإسكان، وقيادات هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، لم يكن اجتماعًا تقليديًا ضمن أجندة العمل الحكومي، بل جاء في توقيت بالغ الحساسية على المستويين الإقليمي والعالمي. فالعالم يعيش موجة من الاضطرابات الاقتصادية نتيجة الصراعات الجيوسياسية، وتعقيدات سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، إلى جانب تقلبات سعر الصرف التي فرضت تحديات حقيقية على مختلف القطاعات الاقتصادية.
وسط هذه المعادلة المعقدة، كان من الضروري أن يجتمع صناع القرار مع ممثلي الصناعة، ليس فقط لتبادل الرؤى، بل لرسم مسار واقعي يحافظ على استقرار السوق العقاري ويحمي استثمارات مليارات الجنيهات، ويضمن استمرار عجلة البناء والتنمية.
شراكة دولة ومطورين… معادلة الاستقرار
خلال الاجتماع، أكدت وزيرة الإسكان أن القطاع الخاص يمثل الشريك الاستراتيجي الأول للدولة في تنفيذ خطط التنمية العمرانية، وأن الوزارة تنظر إلى المطورين العقاريين باعتبارهم شركاء في صناعة المستقبل العمراني لمصر.
من جانبه، أوضح المهندس طارق شكري أن غرفة صناعة التطوير العقاري تعمل بالتنسيق الكامل مع الدولة لضبط إيقاع السوق وتحقيق توازن عادل يحفظ حقوق الدولة والمطور والعميل في آن واحد، وهو التوازن الذي يمثل أساس استدامة القطاع واستقراره.
ولم يكن دور مجلس إدارة الغرفة مجرد طرح مطالب، بل لعب دورًا مؤسسيًا مهمًا في نقل تحديات السوق بموضوعية، وتقديم حلول عملية تضمن استمرار المشروعات وعدم تعثرها، بما يحافظ على مصالح المستثمرين والعملاء على حد سواء.
مكتسبات فورية: درع واقٍ لاستثمارات الوطن
أثمر هذا التوافق الوطني عن استجابة حكومية فورية وحاسمة، حيث وافقت وزارة الإسكان بشكل صريح على حزمة المطالب العاجلة التي قدمتها الغرفة ، لتتجسد في قرارات وتيسيرات فعلية تمثل انطلاقة جديدة ومُبشرة للسوق العقاري، وشملت:
- • حماية الجداول الزمنية: الموافقة على مد مدة تنفيذ المشروعات 6 شهور إضافية ، وهو قرار يعكس تفهم الدولة للمتغيرات الخارجة عن إرادة المطورين، ويضمن تسليم العملاء لوحداتهم بأعلى جودة.
• تخفيف الأعباء المالية: إصدار كتاب دوري للأجهزة بتخفيض عمولة وزارة المالية من 2% إلى 1% ، مما يضخ سيولة جديدة في شرايين المشروعات ويسرع من وتيرة الإنجاز.
• ضمان استمرارية العمل: عدم إيقاف التعامل على الأراضي من خلال الأجهزة حال تأخر سداد قسط واحد ، وإصدار خطاب دوري باعتماد جدولة الأقساط مع أجهزة المدن لعدد قسط واحد ، وهي خطوة محورية تمنع تعثر المشروعات وتحمي استثمارات المواطنين بالدرجة الأولى.
• استدامة البنية التحتية: تفعيل حوافز البناء الأخضر ، والاهتمام بإنهاء توصيل المرافق في مشروع بيت الوطن ، لترسيخ مفهوم المدن الذكية والمستدامة.
• إرساء مبادئ العدالة: إضافة مدد التوقف للقرارات السيادية في الساحل الشمالي والصحراوي مع المراجعة والتدقيق.
• التأكيد على مد رخص التشغيل لمدة 5 سنوات بعد موافقة الجهات المعنية
هذه القرارات لا تمثل مجرد تسهيلات إدارية، بل تشكل درعًا واقيًا يحمي استثمارات ضخمة ويضمن استمرار حركة البناء التي تعتمد عليها آلاف الشركات وملايين الأسر.
مؤتمر عالمي… رسالة ثقة من مصر
وفي خطوة تعكس دعم الدولة للقطاع، وافقت وزارة الإسكان على تنظيم مؤتمر عقاري عالمي تحت رعايتها وبمشاركة عدد من الوزارات والجهات الحكومية.
ويُنتظر أن يكون هذا المؤتمر منصة دولية لعرض التجربة العمرانية المصرية، ورسالة واضحة للأسواق العالمية بأن القطاع العقاري في مصر يتمتع بالقوة والاستقرار والقدرة على النمو رغم التحديات.
أفق لا يحد: ملفات استراتيجية على طاولة الحسم
وإيماناً بأن مسيرة البناء لا تتوقف، تواصل وزارة الإسكان دراسة حزمة من المطالب المستقبلية التي تقدمت بها الغرفة، والتي تؤسس لمرحلة غير مسبوقة من الانتعاش، أبرزها:
- • دراسة استمرار العمل بالتيسيرات الحالية لمدة عام آخر (من مايو 2026 إلى مايو 2027) مع النظر في تخفيض سعر الفائدة.
• تفعيل نسبة تأخير القسط لتكون طبقاً للتيسيرات المقررة وليس طبقاً لأسعار البنك المركزي مضافاً إليها 2.5%.
• دراسة تخفيض رسوم التنازل.
• إلغاء رسوم التحسين للأراضي على الطريق الصحراوي المتعاقد عليها مباشرة مع الهيئة.
• النظر في تعديل نسبة الإنجاز النهائية التي يُعتبر عندها المشروع منتهياً لتصبح 70% بدلاً من 80%.
• تقديم الدعم الإعلامي المؤسسي من الوزارة للقطاع.
• دراسة مبادرة طموحة تتيح دخول المطورين العقاريين في مشاريع الإسكان الاجتماعي من خلال حوافز مشجعة.
• إعداد ملف متكامل لتنشيط التمويل العقاري. - رسالة واضحة: البناء مستمر
إن ما شهده هذا الاجتماع يعكس نموذجًا متقدمًا من الحوار المؤسسي المسؤول بين الدولة والقطاع الخاص، ويؤكد أن التنمية العمرانية في مصر ليست مجرد مشروعات إسكانية، بل مشروع وطني متكامل.
ففي وقت تتعرض فيه اقتصادات كبرى لضغوط غير مسبوقة، تثبت مصر مرة أخرى قدرتها على إدارة التحديات وتحويلها إلى فرص، مستندة إلى شراكة حقيقية بين الحكومة والمستثمرين.
وفي نهاية المطاف، يبقى القطاع العقاري أحد أهم محركات الاقتصاد المصري، ومع استمرار هذا النهج من التعاون والتفاهم، تبدو ملامح المرحلة القادمة أكثر وضوحًا: مدن جديدة تنبض بالحياة، واستثمارات تتوسع بثقة، واقتصاد وطني يمضي بثبات نحو المستقبل.




